مكالمة من أبو ظبي

لواء دكتور/ سمير فرج
انطلق رنين الهاتف على غير انتظار، ونظرت إلى الشاشة فوجدت أن المكالمة قادمة من أبو ظبي. كان المتحدث أحد الإعلاميين المصريين المشاركين في قمة بريدج 2025، التي ينظمها المكتب الوطني للإعلام في دولة الإمارات، حيث تجمع مجموعة من الإعلاميين المصريين والأجانب في هذا المؤتمر.
وخلال حضورهم، حرصوا على لقاء أحد الأسماء المصرية البارزة العاملة في مركز أبو ظبي للغة العربية. كان نشاطه خلال المؤتمر أكثر من رائع، ولفت الأنظار بأدائه وحضوره، فقد كان شعلة تضيء المكان، ومثالًا مشرفًا لأي مصري يعمل بالخارج. بدأ الجميع يسأل عنه: من هو؟ وما هي حكايته؟ لذلك طلبت مجموعة الإعلاميين المصريين عقد لقاء خاص معه للتعرف على شخصية هذا المصري المتميز، وكان هو الكاتب والروائي المصري وليد علاء الدين.
وفي اللقاء، كان السؤال الأول: من أنت؟ وكيف بدأت؟ نحن في مصر لا نعلم عنك شيئًا، وأنت هنا ملء السمع والبصر. وبدأ وليد علاء يحكي لهم قصته، التي تعود إلى أكثر من ثلاثة عقود. قال: “حين كنت شابًا في بداية حياتي، كان لدي الموهبة الشعرية والقصصية، وحاولت أن أجد لنفسي موضع قدم في عالم الأدب، وبالذات الكتابة القصصية والرواية. كانت تلك الخطوة محفوفة بالتردد، لأن التجربة الأولى دائمًا ما تكون الأصعب.
وفي ذلك الوقت، قرأت في الصحف عن مسابقة أعلنت عنها إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، ضمن احتفالات نصر أكتوبر، مسابقة موجهة لشباب مصر من سن الخامسة عشرة حتى الثلاثين، في مجالات القصة والشعر والرسم والنحت والتصوير، وكلها مجالات تهدف إلى تجسيد انتصار حرب أكتوبر المجيدة. واستطرد قائلًا: ترددت طويلًا، فكانت تلك تجربتي الأولى في مجال القصة، لكنني شعرت بحماس حقيقي حين علمت بتشكيل لجنة التحكيم، التي ضمت أسماء ثقيلة الوزن في الحياة الثقافية المصرية، من بينهم وزير الثقافة الأسبق أحمد هيكل، رحمه الله، والأديب الكبير جمال الغيطاني، والكاتب الكبير بهاء طاهر.
وكتبت قصتي عن حرب أكتوبر 1973، وأرسلتها إلى إدارة الشؤون المعنوية حسب ما جاء في إعلان المسابقة، ثم انشغلت بأعباء الحياة، ومضت الأيام حتى نسيت تمامًا أنني شاركت في هذه المسابقة. وفي أحد الأيام، جاءني اتصال هاتفي من القاهرة، من إدارة الشؤون المعنوية، يبلغني بفوزي في المسابقة، ويطلب تأكيد بياناتي لإرسال تذكرة السفر لحضور حفل استقبال وتوزيع الجوائز، بحضور السيدة حرم الرئيس محمد حسني مبارك، ووزير الثقافة، وقادة القوات المسلحة.
لم أصدق في البداية، وظننت أن الأمر لا يعدو كونه خطأ أو التباسًا، لكن الحقيقة تأكدت حين تسلمت تذكرة السفر وتوجهت في الموعد المحدد إلى دار المدرعات، فوجدت كل شيء مُعدًا بدقة وتنظيم. وفي المساء حضرت الاحتفال، ورأيت بعيني السيدة حرم الرئيس الراحل حسني مبارك، والوزير فاروق حسني، واللواء سمير فرج، مدير الشؤون المعنوية، وأعضاء لجنة التحكيم من كبار الأدباء والصحفيين، ونخبة من رموز الثقافة والفن والإعلام العسكري.
تسلمت الجائزة وأنا غير مصدق هل ما يحدث حقيقي، وأنني فزت دون واسطة أو معرفة، فقط موهبتي هي التي جعلتني افوز. بعد تلك الليلة تغير مسار حياتي، وزادت ثقتي بموهبتي، ودعمتني يد الكاتب الكبير بهاء طاهر، فاستمريت في المشوار، وأصبحت عضوًا في اتحاد كتاب مصر. وكانت تلك المسابقة هي بوابة دخولي الحقيقية إلى عالم القصة والرواية، إلى جانب تجربتي الشعرية.”
ويستكمل الرواقي وليد علاء الدين: “وبعد انتهاء الحفل، جلسنا مع اللواء سمير فرج، الذي قال إنه اختار بعناية لجنة التحكيم، المعروفة بالصدق والنزاهة، على رأسها الوزير الأسبق أحمد هيكل، ومعه جمال الغيطاني ونخبة من المثقفين، وأضاف أنه طلب من لجنة التحكيم أمرًا واحدًا واضحًا: أن تُرفع الأسماء عن الأعمال، وأن يكون الحكم للموهبة فقط.
وبذلك جاءت النتائج معبرة عن ذلك. لان شباب لم يكن يحلم بالفوز، وجد نفسه على منصة التكريم. وغيره كثيرون كانت تلك الجائزة هي الخطوة الأولى لانطلاقهم في المشهد الثقافي المصري.
والآن، بعد أكثر من ثلاثين عامًا، أصبحت من خيرة رجال الثقافة في دولة الإمارات، وكل ذلك لأن الخطوة الأولى كانت بصدق، دون واسطة أو تدخل.
ومن هنا جاءت المكالمة حيث أخبره احد الحاضرين “ممكن نتصل باللواء سمير فرج” بدأت أستمع إليه وهو يروي القصة التي حدثت منذ ثلاثين عامًا وانا في منتهى السعادة، ومع كل كلمة كان شريط الذكريات يعود أمام عيني وتذكرت اللحظة التي قررت فيها، خلال عملي مديرًا لإدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، أن تكون احتفالات أكتوبر احتفالًا بالشباب وبإبداعهم. لذلك قمت بتنظيم هذه المسابقة، وكان هدفي أن أرى الشباب يحكون قصص أكتوبر، وأن يكون ذلك تعبيرًا عن الوطنية والانتماء.
وانتهت المكالمة، وبقي في داخلي شعور عميق بالرضا لانه مثل هذه القصص تؤكد أن مصر مليئة بالمواهب في مختلف المجالات، وأن كل ما يحتاجه الشباب فقط هو الفرصة العادلة والاختيار السليم. لذلك حين يشعر الشباب أن العمل هو الطريق الحقيقي للنجاح، تتحول الثقة إلى طاقة، والإبداع إلى قوة. وستظل القوات المسلحة المصرية، في كل ما تقوم به، نموذجًا للأمانة والنزاهة في الاختيار، لأن مصلحة الوطن هي الأساس، ولأن الإيمان بالعمل والكفاءة ليس قيمة أخلاقية فقط، بل هو في جوهره أمن قومي لمصر كلها.
