دار المعارفمقالات صحفيةموضوعات عامـــة

رمضان وحقيبة الذكريات

يهل علينا شهر رمضان الكريم، كل عام، حاملاً معه حقيبة من الذكريات الجميلة، المرتبطة بجميع مراحل الحياة … ففي الطفولة، في مدينتي الجميلة بورسعيد، ترى شوارع حي العرب وقد تزينت بقصاصات الأوراق الملونة المعلقة بين البيوت، بينما يتجمع الأطفال للعب الكرة على الشواطئ، قبل الإفطار، وسبل المياة من القلل القناوي، والمعطرة بماء الورد، تنتشر في كل مكان بعد الإفطار، والعائلات تتبادل الزيارات والولائم، ويلتفون جميعاً حول الراديو للاستمتاع بفوازير آمال فهمي، وبعدها حول التليفزيون لمتابعة فوازير نيللي وشريهان، ثم المسلسل التليفزيوني، ويخرج بعدها الشباب والرجال لسهرات الطومبولا في مقاهي بورسعيد، وحفلات السمسمية من بعد التراويح وحتى صلاة الفجر.

لم أعد ذلك الطفل الصغير الذي يلهو في مدينته الساحلية، فقد كبرت، وانتقلت للقاهرة، للالتحاق بالكلية الحربية، التي تخرجت فيها وعمري سبعة عشر عاماً. وبعد تخرجي بأشهر قليلة صدرت الأوامر إلى وحدتي بالتحرك إلى اليمن للاشتراك في الحرب هناك، وما أن وصلت إلى صنعاء، حتى صدرت لنا الأوامر بالتحرك، لمنطقة بيت السيد، لإنقاذ إحدى الوحدات المصرية المحاصرة هناك، وكان ذلك في أول يوم من شهر رمضان المبارك، كانت الأوامر تقتضي تحرك سرية قوتها 120 فردا لمهاجمة واحتلال أحد الجبال لفتح الطريق للقوات المحاصرة، بينما أتولى أنا قيادة فصيلة، قوامها 40 فرد، لتعزيز المهمة الأولى. وما أن أحكم الظلام قيوده، حتى بدأت التحرك، بفصيلتي، لمهاجمة الجبل … تحت حماية، ودعم قوات المدفعية. ومع ظهور أول شعاع للفجر، كنت قد وصلت إلى قمة الجبل، وبدأت في نشر قواتي الصغيرة أعلاه، ولكن تمت مهاجمتنا من القوات اليمنية، مع أول ضوء، وسقط منا أول شهيد، لأصبح محاصراً مع قوتي الصغيرة.

فوجدت نفسي، وأنا في السابعة عشر، أقود هذه المجموعة، فوق جبال اليمن القاسية … محاصرين … وصائمين، ولا نملك سوى “تعيين الطوارئ، وهو قالب من الفولية، وزمزمية المياه لكل جندي، وبطاريات اللاسلكي، المقدر لها النفاذ في خلال الساعات القليلة القادمة! فانهمكنا في إعداد دفاعاتنا مستخدمين حجارة الجبل، حتى موعد غروب الشمس، وأفطرنا على الفولية، وشربنا ما تيسر لنا من الماء.

وهبط الليل على قمة الجبل، واشتدت الرياح والصقيع، وليس لدينا ما نحتمي به، فالتففنا حول الراديو “الويلكو” الصغير، الذي كنا قد اشتريناه من صنعاء فور وصولنا، والتقطنا موجات الإذاعة من القاهرة، التي كانت مشغولة، ومترقبة في تلك الليلة، للقاء السحاب بين قطبي الغناء والتلحين، أم كلثوم وعبد الوهاب، في رائعتهما “أنت عمري”، واستمعنا إليها ونحن محاصرون على قمم جبال اليمن … فارتبطت لدي، للأسف، وعلى عكس عموم المصريين … بذكرى الحصار الأليم. حتى أنني عندما ترأست دار الأوبرا المصرية، بعد ذلك بعقود طويلة، لم استطع فك ذلك الارتباط بين تلك الأغنية الرائعة، وما لها من وقع مؤلم على نفسي، فوجدتني أتفادى تضمينها في برامج الأوبرا!

عند الصباح، كنت قد فقدت الاتصال بقيادتي، لنفاذ بطاريات اللاسلكي، كما نفذ طعامنا وشرابنا. وجنودي حولي ليس لهم إلا الله … ثم قائدهم. فنظرت في جميع الاتجاهات، ورأيت قرية على سفح الجبل، بدت، من البعد، خالية من مظاهر الحياة، نتيجة للمعارك الدائرة. وبعد مراقبة طويلة، كلفت دورية بالنزول إليها للبحث عن طعام وشراب. عادت الدورية من القرية لتؤكد أنها خالية تماماً، إلا من أجولة من العنب المجفف، “الزبيب”، إذا بدا أن القرية كانت تعمل كلها في زراعته في واديها، وخلّفوا وراءهم ما لم يستطيعوا حمله من تلك الأجولة. كما عثرت الدورية على أحد آبار المياه، وعادت إلينا بالماء والزبيب. فكان ذلك زادنا، بالفعل، لمدة أربعة أيام متواصلة، عشناها محاصرين، قبل أن تأتينا النجدة، ويتم فتح الطريق.

وبالرغم من عدم قدرتي، حتى يومنا هذا، على سماع أغنية “أنت عمري”، إلا أنني أحب الزبيب المنقوع في الماء، كما وصفه لي أحد جنودي أثناء حصارنا باليمن، وأحرص على تناوله خلال شهر رمضان المعظم.

لا تقتصر الذكريات، على الطفولة والشباب في بورسعيد والقاهرة، فمنها ما كونته في لندن، أثناء دراستي بها، فأذكر ساعات الصيام الطويلة، إذ كانت الشمس تغرب في التاسعة مساءاً، وطلبت تصريحاً من إدارة الكلية، للسماح لي بتناول “وجبة العشاء”، بعد مواعيد العمل الرسمية للمطعم. أما دراستي في أمريكا، فقد علمتني فنون الطهي، إذ كنت أعد الطعام لنفسي، وأتناوله وحيداً، فلا تليفزيون ولا فوازير ولا مسلسلات، ولا صوت الشيخ محمد رفعت، رافعاً أذان المغرب، المرتبط في ذهني بشهر رمضان الكريم. أما في تركيا فلقد كان الأمر مختلفاً؛ لمدة ثلاث سنوات عشتها هناك، لا يذيع التليفزيون التركي الآذان إلا في شهر رمضان فقط، ويقتصر إنتاج العيش البلدي بالدقيق الأبيض، في أفرانها، في هذا الشهر فقط.

أما في الأقصر، خلال سبع سنوات، محافظاً لها. فقد شاهدت طقوساً جديدة، لشهر رمضان، لم أشاهدها في بورسعيد أو القاهرة. لمدة خمسة وعشرون يوماً، تبدأ في الخامس من رمضان وحتى آخر يوم فيه، تجوب الاحتفالات الدينية، جميع قرى المحافظة، في كل يوم ينظم الأهالي احتفالاً في إحدى القرى، يتجمع فيه الالآف من أبناء المحافظة كلها، للاستماع إلى آيات الذكر الحكيم، بصوت أحد أشهر القارئين بمصر، يعقبها ابتهالات وذكر، حتى موعد الفجر. فكانت قرى المحافظة تتلألأ بتلك الأمسيات الرائعة التي تتميز بها محافظة الأقصر عن باقي محافظات مصر.

لا ترتبط الذكريات بمرحلة عمرية، فحسب، فممارسات الحياة اليومية، مازالت تكسبني الكثير من الخبرات، وتكّون لدي مخزون من الذكريات، الذي أحرص على نقله لأولادي وأحفادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى