عشر سنوات على رحيل الأستاذ

لواء دكتور/ سمير فرج
هناك شخصيات في تاريخ كل دولة تكون لها بصمات داخل هذه الدولة أو خارجها، ومن عظماء مصر في مجال الصحافة الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي يعتبر من أعظم كتاب الصحافة في العصر الحديث، ليس على مستوى مصر والعالم العربي فقط بل على مستوى العالم الخارجي أيضًا، ويكفي أن أذكر حدثًا واحدًا وأنا طالب في إنجلترا وأشاهد أخبار التاسعة مساءً على قناة BBC وهي أهم نشرة في هذه القناة، عندما كان الخبر الثالث فيها هو وصول الكاتب المصري محمد حسنين هيكل إلى لندن للاشتراك في ندوة عن كتابه الجديد “الطريق إلى رمضان” من خلال صحيفة السن داي تايمز The Sunday Times أهم جريدة في إنجلترا وأوروبا في ذلك الوقت وتعادل جريدة الأهرام في مصر.
وتعود مسيرتي مع هذا الكاتب العظيم وأنا ضابط شاب حاربت فوق جبال اليمن لمدة ثلاث سنوات اعتبارًا من عام 1963، حيث كنت أنا وزملائي في الكتيبة وكل القوات المصرية في اليمن ننتظر مساء كل يوم جمعة لنستمع إلى إذاعة صوت العرب لقرار مقال الأستاذ محمد حسنين هيكل “بصراحة”، وكانت هذه المقالة هي الرابط الوحيد الذي يربطنا ونحن فوق قمم الجبال الشاهقة بمصرنا الحبيبة لكي نتعرف على كل ما يدور في مصر وعلاقاتها بالعالم. وبعد عودتنا من اليمن جاءت نكسة 1967 وكنا نتابع أيضًا كل يوم جمعة ونحن داخل خنادق القتال على ضفاف قناة السويس ونستمع إلى إذاعة صوت العرب ومقال الأستاذ هيكل “بصراحة”، صحيح أننا كنا نتألم أحيانًا من انتقاداته للقوات المسلحة لأحداث 1967، ويكفي أنه الكاتب الذي ابتدع لفظ وتعبير كلمة “النكسة” بدلًا من الهزيمة، وكنا نتابع مقالاته حتى بعد أن تحولت من النقد إلى إعطاء الأمل لاسترداد الأرض وتحقيق النصر. وما زلت أتذكر مرة أخرى وأنا طالب في كلية كامبرلي الملكية في إنجلترا، وفي يوم أحد إجازتي وأنا أتجول بين متاحف لندن التي كان الدخول إليها مجانًا يوم الأحد، وكنت خارجًا من محطة هايد بارك كورنر لأجد شابًا إنجليزيًا يبيع الجرائد وينادي: “صنداي تايمز… أوروبا… رمضان… هيكل”، حيث كانت الجريدة تطبع الكتاب كل يوم أحد في أعداد أسبوعية. وفجأة جاء اليوم الذي رأيت فيه هيكل بنفسي وجهًا لوجه ولكن على مسافة ثلاثة أمتار تقريبًا ولم أجرؤ على مكالمته، ففي يوم السادس من أكتوبر 1973 ونحن في غرفة عمليات القيادة العامة للقوات المسلحة عرض المشير الجمسي على الرئيس السادات ما يُعرف بالتوجيه الاستراتيجي للحرب وهي الوثيقة التي تصدر من رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة لشن العملية الهجومية العسكرية لكي توضع في سجلات الحرب، ويومها أجرى الرئيس السادات التوقيع على الوثيقة وطلب مراجعتها سياسيًا من الأستاذ هيكل، ولذلك في اليوم التالي السابع من أكتوبر حضر هيكل إلى مركز العمليات وأدار فقرة في التوجيه الاستراتيجي للحرب تضمنت الشق السياسي، وكانت تلك أول مرة أراه عن قرب دون أن أتحدث إليه.
وجاءت المرة الثانية عندما تحدثت تليفونيًا مع الأستاذ هيكل عندما كنت مديرًا للشؤون المعنوية للقوات المسلحة وكنت أقوم بإعداد فيلم وثائقي عن حرب أكتوبر 1973، وكان من المفترض أن يتكلم الأستاذ هيكل في الحلقة الأولى عن نكسة 1967 ثم في الحلقة الثانية عن مرحلة التخطيط للحرب وخطة المآذن العالية التي كانت أول خطة للعبور في عهد الرئيس عبد الناصر، لكن جاءت المكالمة ليعتذر عن الاشتراك في هذه الحلقات وقال لي بالحرف “يعز عليّ ذلك”، وكان سبب الرفض مرتبطًا بالأستاذ صفوت الشريف، والعجيب أن ذلك كان أيضًا سبب رفض المشير أبو غزالة الاشتراك في تلك الحلقات.
ثم جاءت المقابلة التالية خلال أحداث 25 يناير 2011 عندما كنت مسؤولًا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وفي هذه الفترة قابلت الأستاذ هيكل عدة مرات بتكليف من المشير طنطاوي، وبالرغم من عدم تمكني من الإفصاح عما دار بيننا في هذه اللقاءات، فإنني أستطيع أن أؤكد استفادتنا الكبيرة من خبرة وآراء وتحليلات هذا الرجل العظيم، وكانت رؤيته المستقبلية محل تقدير كبير، وقد أبهرني بقوة ذاكرته فيما يتعلق بالأرقام والتواريخ والأحداث رغم تقدمه في السن، فكنت أعتبره أسطورة
وفي تلك الفترة أهداني الأستاذ هيكل نسخة من جميع كتبه وكان من أهمها “الطريق إلى رمضان”، وكانت المحطة الأخيرة مع العظيم الراحل عندما بدأ تسجيل حلقاته مع الإعلامية لميس الحديدي، فاتصلت به بعد الحلقة الأولى لأشكره على كل المعلومات التي ذكرها في هذه الحلقات، كما اتصلت بالإعلامية لميس الحديدي لأقدم لها التهنئة على هذا السبق الإعلامي الجميل.
ولقد تميز الأستاذ محمد حسنين هيكل خلال مراحل عمله الصحفي بأنه كان عاشقًا لتجميع الوثائق التي تؤكد كل مقالاته وأعماله، ولذلك أعتقد أنه كان يجمع أكبر مكتبة وثائقية يمكن أن تكون لدى أحد الصحفيين. وقد علمت فيما بعد أن مكتبة مكتبة الإسكندرية قامت بتجميع هذه الوثائق في مكان خاص بالأستاذ هيكل. عموماً قد يختلف البعض أو يتفق مع آراء الأستاذ، ولكن سيظل الأستاذ هيكل رحمه الله بالإجماع علامة بارزة في الصحافة المصرية والعربية والعالمية، أسطورة نتمنى من الله أن تجود الأرض المصرية بمثله في المستقبل القريب.
Email: sfarag.media@outlook.com