الأهراممقالات صحفيةموضوعات عامـــة

ورغم ذلك أحببت المشير بدوى

قد يسأل البعض عن أسباب تميز القوات المسلحة المصرية، كمؤسسة، تؤدى عملها بانضباط وإتقان وتفان، ليس فى المجال العسكرى فحسب، بل أيضاً فى المجالات المدنية … والحقيقة أن للقوات المسلحة قيما ومبادئ لا تتنازل، ولا تحيد عنها أبداً مهما حدث، وهو ما ينعكس على أفرادها بالرضا والسعادة. ورغم أن ما سأسرده، باختصار، هو موقف أو قصة شخصية، فإن لها دلالاتها عن مبادئ ونهج القوات المسلحة المصرية.

كنت عائداً للقاهرة من بعثتى إلى إنجلترا، فى كلية كمبرلى الملكية، بعد أن حصلت على المركز الأول فى دراستي، بتقدير امتياز، وهو ما كان سبباً فى بقائى فى الكلية لعام آخر، إذ عُينت مدرساً فى الكلية، فى سابقة لم تحدث فى تاريخها من قبل، أن يكون أحد أعضاء هيئة التدريس بها، من خارج دول حلف الناتو أو الكومنولث. ومن ناحيتي، فإننى أُرجع الفضل فى تفوقى بالكلية، إلى دراستى فى مصر أولاً، ثم إلى حرب أكتوبر 73، التى صقلت خبرتى كضابط، وجعلتنى متميزاً فى جميع المؤتمرات والندوات العسكرية، التى شاركت بها فى لندن، باعتبار أننا أصحاب أحدث خبرة قتالية، فى أحدث حرب فى التاريخ المعاصر، انتصرنا فيها، وقدمنا للفكر والعلم العسكرى مفاهيم جديدة.

فور عودتى إلى القاهرة، لحقنى خطاب من وزارة الدفاع البريطانية، موجه إلى وزارة الدفاع المصرية، بتقديم منحة للمقدم أركان حرب سمير فرج، للحصول على دورة Royal College for Defense Studies (RCDS)، ثم للحصول، بعدها، على درجة الدكتوراة فى العلوم السياسية والأمن القومي، وهو ما كان مقصورا على الضباط الإنجليز، دون غيرهم. وقد ذكر الخطاب، المشار إليه، إلى أن سبب ترشيح الضابط المصري، يأتى كرد فعل لكفاءته العلمية العسكرية، وأدائه المتميز فى أثناء دراسته فى كلية كمبرلى الملكية، وفى أثناء عمله كمدرس بها، فضلاً عن أنه يحمل شهادة الأركان حرب المصرية، ذات الخبرة الروسية، وسيكون مفيداً لشخصه، ولمؤسسته العسكرية، أن يمزج خبرته بالعلم العسكرى فى كلية RCDS. كان ذلك الخطاب بمثابة شهادة تقدير لي، وما يتيحه لى من فرصة، للدراسة فى تلك الكلية العريقة، كان درباً من دروب الخيال، التى لم أجرؤ أن أحلم بها يوماً.

وبعرض وزارة الدفاع البريطانية، على نظيرتها المصرية، جاء الرد برفض المنحة، نظراً لحداثة سن الضابط ورتبته، على أن يتم النظر فى إمكانية قبولها مستقبلاً. وبالرغم من دبلوماسية الرد، فإنه أصابنى بصدمة كبيرة، فاتصلت باللواء/ عبدالرحمن البدري، أمين عام وزارة الدفاع، آنذاك، وكان سيادته من خيرة ضباط المشاة، فى القوات المسلحة المصرية، ويعرفنى جيداً، وطلبت من سيادته إعادة العرض على السيد المشير أحمد بدوي، وزير الدفاع، فى ذلك الحين، ومحاولة إقناعه بأهمية تلك المنحة. وأمام ما علا نبراتى من حزن وألم، طلب منى اللواء البدري، الحضور إلى مقر الوزارة مساء، ووعدنى بأنه سيحاول ترتيب لقاء لى مع السيد وزير الدفاع، لأعرض على سيادته الأمر.

كنت أعلم أن ذلك أمر استثنائي، ولكن اللواء البدرى حدد المقابلة بالفعل، وبمجرد دخولى مكتب المشير أحمد بدوي، شكرت سيادته على سماحه لى بتلك المقابلة الاستثنائية، وعلى سعة صدره، لسماع رأيي، بعد أن أصدر قراره بالفعل. فابتسم المشير بدوي، قائلاً، إنه يعتبرنا أبناءه قبل أن نكون ضباطاً بالقوات المسلحة، ثم أضاف أنه منذ توليه مهام منصبه، وزيراً للدفاع، لم يبت على مكتبه «بوستة» دون البت فيها، إلا تلك المرة الوحيدة عندما عُرضت عليه المذكرة الخاصة بالمنحة المقدمة لي، والتى أبقاها أمامه ليومين كاملين، قبل أن يتخذ قراره برفض المنحة. واستطرد يشرح أسباب رفضه، وهو ما ليس لزاماً عليه، فقال إنه بالنظر إلى الموقف من وجهة نظري، كسمير فرج، فقبول المنحة حق لي، إذ حصلت عليها بجدى واجتهادي، ومن وجهة نظر القوات المسلحة المصرية، فيُشرفها أن يحصل أحد أبنائها على تلك الدرجة العلمية من إنجلترا، اعترافاً منهم بتفوقه، ولكن بالنظر إلى الموقف من خلال القوانين والقواعد والمبادئ المعمول بها فى القوات المسلحة المصرية، فإن السفر للبعثات الخارجية، يتم من خلال اختبارات، ومسابقات، وترشيحات، تتم بكل شفافية على من تنطبق عليهم شروط المنحة، وهو ما لا يمكن تنفيذه، فى هذه المنحة، لأنها موجهة لشخصك، وليست متاحة لأبناء القوات المسلحة على حد السواء، وهو ما يستلزم استثناءك من القوانين والقواعد، على حساب الغير، وهو ما لا أقبله بصفتى قائماً على القوات المسلحة. ثم أضاف سيادته: تأكد يا ابنى إنى عارف إنك شاطر وتستحق، لكن قواعد ونظم القوات المسلحة هى الأبقى للجميع. لم أنطق بحرف واحد، سوى حاضر يا أفندم، وأديت التحية، وقبل خروجى من باب مكتب سيادته، قال لي: أوع تزعل يا ابنى … لقد ترددت كثيراً قبل أن أحسم قرارى بالرفض.

تحجرت الدموع فى عيني، وأنا أشكر اللواء عبد الرحمن البدرى على ترتيب ذلك اللقاء، الذى بالرغم من أننى لم أحصل فيه على غايتي، فإننى ارتحت فيه لرأى السيد وزير الدفاع الذى أكد أن الاستثناءات مرفوضة فى القوات المسلحة المصرية، وهو ما يضمن رضاء جميع أفرادها. وبعدها بفترة طويلة استشهد المشير أحمد بدوي، فى حادث مروحية، فى مطار سيوة، ومشيت فى جنازته، احتراماً وإجلالاً لرجل أعلى المبادئ والقوانين فى القوات المسلحة، فحمى أبناءها من ميل الأهواء الشخصية… وهكذا تظل القوات المسلحة المصرية، قوية وعملاقة، بمبادئها وقوانينها، لتبقى حصن الأمان لمصر والمصريين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى