شرايين صلاح سالم الجديدة

لواء دكتور/ سمير فرج
سبع سنوات قضيتها محافظًا للأقصر، وأتذكر في أيامي الأولى، عندما وصلت، وفي طريقي من المطار إلى المدينة، اصطدمت بلافتة على مدخل مدينة الأقصر مكتوب عليها «مقابر الكومنولث». كانت تلك اللافتة هي ما يستقبل كل زوار الأقصر من كل مكان في العالم، ولمن لا يعرف، فقد كانت تلك المقابر تضم ستين جثة من جنود الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، تم نقلهم من مناطق مختلفة في أفريقيا ودُفنوا في هذه المقبرة على مدخل مدينة الأقصر. وكان بالنسبة لي أمرًا غير مقبول أن تكون المقابر هي أول ما يقابله من جاء لزيارة واحدة من أهم المدن السياحية في العالم.
من هنا بدأت أفكر في نقل هذه المقابر، ومعها مقابر المسلمين والمسيحيين الموجودة في المنطقة نفسها، لفتح شرايين جديدة تؤدي إلى الكورنيش. ويومها دعوت سفير الاتحاد الأوروبي لزيارتي في الأقصر، وأبلغته بنيّتي نقل مقابر الكومنولث إلى مقابر جديدة تُنشأ خارج المدينة.
وبالطبع انزعج السفير ورفض، موضحًا أن هذه الجثامين تتبع سبع دول، وأن تلك الدول سترفض تمامًا عملية النقل. فأبلغته أنني أثناء دراستي في إنجلترا شهدت نقل العديد من المقابر لأغراض توسعة الطرق وبناء مجتمعات جديدة، لكنه أصر على موقفه.
ولأنني لا أقبل الهزيمة، اتصلت برئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في الأقصر، وطلبت منه أن يحمل خطابًا شخصيًا مني إلى بابا الفاتيكان في روما، أطلب فيه الإذن بنقل رفات جنود الكومنولث إلى مناطق جديدة في الصحراء. وبالفعل سافر، وقابل البابا، وقدم له الطلب، فوافق على النقل، على أن يحضر مندوبون من الفاتيكان شعائر نقل الجثامين، مع الالتزام الكامل بكافة المراسم الدينية.
وبالفعل تم نقل المقبرة، ومعها مقابر المسلمين والمسيحيين في تلك المنطقة، بعد أن قمت بإعداد منطقة جديدة للجبانات في مدينة طيبة الجديدة، وتم ذلك في احتفال كبير أذاعته معظم المحطات الأجنبية، من بينها محطة الـBBC، وحضره ممثلو سفارات الدول التي تنتمي الجثامين لجنسياتها.
واليوم، عندما يدخل عزيز القارئ إلى مدينة الأقصر، تستقبله حديقة جميلة تتوسطها جدارية صغيرة كتب عليها: «أهلاً بك في الأقصر»، بدلًا من لافتة مقابر الكومنولث.
وفجأة، هذا الأسبوع، وأثناء زيارتي لمسجد السيدة نفيسة، والتي أعد نفسي من مريديها، لاحظت أن المنطقة قد تغيّرت تمامًا خلال الشهرين الماضيين، حتى إنني ضللت الطريق، فقد بدأت تظهر طرق جديدة وكباري حديثة. واتضح أن المنطقة خضعت لعملية جراحية كبرى غيّرت شكل ومحاور المرور في امتداد محور صلاح سالم، وبخاصة في منطقة السيدة عائشة، حيث تقرر إزالة كوبري السيدة عائشة، الذي أُنشئ منذ أكثر من نصف قرن بخطأ تصميمي جسيم، حتى أُطلق عليه «كوبري الموت».
اتصلت فورًا بصديقي اللواء أمير سيد أحمد، مستشار السيد الرئيس للبنية التحتية، وسألته متعجبًا: «ماذا يحدث في المنطقة؟ أنا غير مصدق ما أراه». فأوضح لي أن الزيادة الهائلة في أعداد السيارات، والتي تجاوزت 11 مليون سيارة طبقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فرضت ضرورة إجراء تعديلات جذرية في عدد من القطاعات المرورية الحرجة على مستوى الجمهورية، وكان محور صلاح سالم في مقدمتها.
فقد أصبحت منطقة السيدة عائشة ونفق الأزهر شبه مسدودتين مروريًا، ما استدعى إعداد دراسات علمية لتنفيذ مسار جديد، ولم يكن أمام المخططين سوى المرور عبر مناطق المقابر الموجودة هناك، والتي أُنشئت منذ عشرات السنين عندما كانت خارج الكتلة العمرانية للقاهرة، لكنها اليوم تقع في قلب المدينة. كما تم رصد ارتفاع منسوب المياه الجوفية في بعض المقابر، خاصة في منطقة الإمام الشافعي، حيث غمرت المياه معظمها وأصبحت غير صالحة للاستخدام.
وبعد الدراسة، تبيّن وجود ما يقرب من مئة ألف مقبرة في هذه المنطقة، ومن هنا قامت الدولة بإنشاء أربعين ألف مقبرة بديلة حتى الآن في مدينة العاشر من رمضان، ومدينة 15 مايو، وجنوب طريق السخنة. كما أُعدّت خريطة دقيقة تُبيّن المقابر الأثرية وغير الأثرية، وتم اختيار مسار الطريق الجديد لتجنب المباني الأثرية والتراثية قدر الإمكان.
وتم إبلاغ الأسر بوقف الدفن في تلك المقابر، مع تخصيص مقبرة بديلة لكل أسرة، وبحضور ممثلين عنها أثناء المراسم الدينية لنقل الرفات، التي تمت بمعرفة إدارة الجبانات بمحافظة القاهرة. وبالتوازي مع عمليات النقل، جرى فك العناصر المعمارية ذات الطابع المتميز تحت إشراف جهاز التنسيق الحضاري، ونقلها إلى مخازن الآثار، تمهيدًا لإعادة تركيبها في مقبرة الخالدين، التي يُجرى تنفيذها حاليًا جنوب نادي الأبطال، على جانب محور صلاح سالم.
وقد تم حتى الآن نقل أربع مقابر مسجلة ذات طابع معماري متميز، وجارٍ حصر الباقي. وفي الوقت نفسه يجري التشغيل التجريبي للمرحلة الأولى من تطوير محور صلاح سالم، حيث سيتم خلال الأيام المقبلة إزالة كوبري السيدة عائشة، وهو الكوبري الذي تم إنشاؤه منذ أكثر من نصف قرن (بخطأ تصميمي)، حتى أُطلق عليه «كوبري الموت». وستتم عملية الإزالة بعد توفير البدائل المرورية اللازمة، بإنشاء محور جديد يضم خمس حارات مرورية في كل اتجاه.
وأتذكر حين كنت مديرًا للشؤون المعنوية أنني أنشأت نادي الأبطال في تلك المنطقة، التي لم يكن بها آنذاك حتى صرف صحي. واليوم، وبعد ما شاهدته على أرض الواقع، أرى أن هذه العملية التخطيطية حققت استيعابًا أكبر للكثافة المرورية، من خلال إنشاء ثلاثة كباري علوية جديدة، وربط امتداد محور صلاح سالم من القلعة إلى كورنيش النيل مرورًا بمتحف الحضارة دون أي تقاطعات.
وبذلك عاد لمنطقة القاهرة التاريخية خلف قلعة صلاح الدين رونقها الجمالي، ليس فقط من حيث السيولة المرورية لأهالي القاهرة، بل أيضًا لخدمة الأفواج السياحية المتجهة إلى القلعة، والقاهرة الفاطمية، ومتحف الحضارة. وأصبح طريق صلاح سالم في ثوبه الجديد متنفسًا مروريًا حقيقيًا لشرق القاهرة، بعد أن كان نقطة اختناق مزمنة، فضلًا عن مظهره الحضاري الجديد، خاصة في منطقة السيدة نفيسة.
Email: sfarag.media@outlook.com