غير مصنف

الضربة الأمريكية لإيران (رؤية تحليلية)

 

لواء دكتور/ سمير فرج

فجأة اندلعت الاحتجاجات الشعبية داخل إيران بسبب تدني مستوى العملة أمام الدولار الأمريكي وارتفاع الأسعار، وكان فكر الشعب الإيراني أن الحكومة تقدم الدعم للأذرع الإيرانية خارج إيران، وهم حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والحشد في العراق، وحماس في غزة. وبالطبع كانت المعارضة الإيرانية تشعل فتيل هذا الصراع في هذا الموضوع، حيث تذكر أن راتب الجندي في الجيش اللبناني نفس راتب الجندي في حزب الله، لأن عناصر حزب الله يرفضون تقاضي رواتبهم من إيران.

وعقب اندلاع مظاهرات الشعب، تدخلت الحكومة لفض هذه الاحتجاجات، حيث قامت باعتقال حوالي 3000 شخص، كما هددت بتنفيذ حكم الإعدام على المتظاهرين. وفجأة ظهر الرئيس الأمريكي بإنذار وتهديد إيران بالتدخل العسكري لمنع أعمال القمع الدامي للاحتجاجات في إيران ومنع تنفيذ أحكام الإعدام، وبدأت الأمور تأخذ منحنى حادًا حول احتمالات التدخل العسكري الأمريكي ضد إيران.

وأعتقد أنه في اليوم الأول كان تحليلي واضحًا أن أمريكا لن تنفذ أي ضربة عسكرية ضد إيران في الفترة القادمة، وهذا موجود على صفحتي وخلال مداخلاتي على القنوات العديدة. وللأسف تصاعدت التحليلات من العديد من الإعلاميين والسياسيين في كافة المنصات الإعلامية العربية، حيث بدأ الجميع يحلل ويقدم أفكارًا عن أسلوب تنفيذ هذه الضربة العسكرية الأمريكية ضد إيران، حتى جاءت المفاجأة بإعلان الرئيس ترامب يوم الجمعة الماضي أنه قرر إلغاء الضربة العسكرية التي كان مخططًا لها ضد إيران، وأكد أن القرار جاء بمبادرة شخصية منه وليس نتيجة ضغوط أي أطراف أخرى، رغم أن إسرائيل تقول إنها قدمت النصح لأمريكا بعدم تنفيذ هذه الضربة العسكرية ضد إيران.

وهنا نبدأ التحليل: لماذا كان تحليلي منذ البداية أن أمريكا لن تقوم بتنفيذ هذه الضربة العسكرية؟ السبب أن أي عملية عسكرية يكون لها هدف واضح ومحدد. فعلى سبيل المثال، عندما تمت العملية العسكرية الأولى من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي سميت حرب الـ 12 يومًا، كان هدف هذه العملية العسكرية هو تدمير القوة النووية الإيرانية ومنعها من امتلاك سلاح نووي، وكان الهدف واضحًا، واستمرت الحرب 12 يومًا، وبعدها أعلن الرئيس ترامب إيقاف القتال بعد أن أكد أنه تم تنفيذ الهدف من العملية وتدمير المفاعلات النووية الإيرانية، وأصبحت إيران غير قادرة على إنتاج سلاح نووي. أما هذه المرة، فكان الهدف من العملية العسكرية كما أعلنها الرئيس الأمريكي هو دعم انتفاضة الشعب الإيراني، وبالتالي إسقاط النظام. وهنا نقول إن الرئيس الأمريكي عندما فكر في تدخل عسكري، أعتقد أن كانت هناك آراء معارضة لهذا الفكر داخل الإدارة الامريكية حيث كان رأي وزارة الدفاع (البنتاجون) ووكالة المخابرات الأمريكية (CIA) أن التدخل العسكري قد يدفع الشعب الإيراني للتوحد ضد التدخل الأمريكي، وبالتالي انتفاء الغرض الذي قامت من أجله الضربة، حيث إن سمة هذا الشعب التوحد ضد أي عمل عسكري خارجي ضد الدولة. كما أن نائب الرئيس الأمريكي كان أيضًا غير موافق على هذه الضربة الأمريكية لإيران.

أما النقطة الثالثة، أنه خلال تلك الفترة لم تكن هناك أي حاملة طائرات أمريكية في المنطقة سوى واحدة بدأت في الاقتراب من منطقة البحر الأحمر، عكس الحرب الأولى (حرب الـ 12 يومًا) حيث كان هناك ثلاث حاملات طائرات في المنطقة، وهذا يؤكد أنه لم تكن هناك نية حقيقية لتنفيذ ضربة عسكرية.

أما النقطة الرابعة، فإن إسرائيل لأول مرة لم تكن راغبة في تنفيذ هذه الضربة، لأن الضربة الأولى أثبتت عدم قدرة وسائل الدفاع الجوي الإسرائيلي على التصدي للطائرات الإيرانية المسيرة والصواريخ الباليستية والفرط صوتية الإيرانية، والتي وصلت إلى تل أبيب وأجبرت نتنياهو على الدخول إلى المخابئ. لذلك، بعد هذه الحرب، بدأت إسرائيل في تطوير وسائل الدفاع الجوي وخاصة القبة الحديدية ومنظومة السهم (آرو)، والاستفادة من الأخطاء التي حدثت في الحرب السابقة. وطبقًا للتقديرات، فإن التطوير والتعديلات في القبة الحديدية للتصدي للصواريخ الإيرانية لم تنتهِ بعد، ولذلك كان رأي إسرائيل أنه لو هاجمت أمريكا إيران فسيكون الرد هو ضرب إسرائيل مرة أخرى، ويصبح نتنياهو أمام شعبه غير قادر على التصدي للصواريخ الإيرانية ويدخل المخابئ مرة أخرى، خاصة وهو على أعتاب انتخابات قادمة، وكان المفترض أن يقدم نفسه للشعب الإسرائيلي على أنه قادر على حماية إسرائيل، ولذلك لم ترحب إسرائيل بهذه الضربة الأمريكية ضد إيران في هذا التوقيت.

أما النقطة الخامسة التي أثيرت خلال مناقشات اتخاذ القرار بالعمل العسكري، فهي قصة اليوم التالي، حين قررت أمريكا وحلف الناتو التخلص من القذافي، وبالفعل نجحوا في التخلص منه، لكنهم فشلوا في تحديد من سيقود ليبيا بعد رحيل القذافي، وكانت تلك أكبر غلطة عندما تم إسقاط القذافي دون وجود بديل واضح ودخلت ليبيا في حالة عدم استقرار وهنا كان التساؤل: إذا تم إسقاط النظام الحالي في إيران (نظام الملالي)، فمن الذي سيقود إيران؟ فالمعارضة الإيرانية ضعيفة للغاية وليس لها وجود حقيقي في الشارع الإيراني، وكذلك عندما قدم ابن شاه إيران السابق نفسه لأمريكا كبديل، ثبت للجميع أنه ليس له أي أرضية شعبية.

وكان الرأي أن هذه الضربة العسكرية، في حال إسقاط النظام الإيراني، ممكن ان تؤدي إلى انهيار الدولة الإيرانية، وهو أمر غير مطلوب في الظروف الحالية في الشرق الأوسط. كما كان رأي البنتاجون أن إيران قد تستهدف إسرائيل، ثم القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج العربي، وربما منصات النفط في الخليج، لإرباك سوق النفط العالمي، وهو ما سيؤدي إلى إرباك الاقتصاد العالمي، وسيتم إلقاء اللوم على أمريكا باعتبارها السبب في هذا الاضطراب الاقتصادي.

ومن وجهة نظري الشخصية، فإن إيران تمثل قوة يجب أن تبقى في المنطقة، حتى لو كنا غير راضين عن امتلاكها سلاحًا نوويًا، لكن خروج إيران من المشهد سيجعل إسرائيل القوة الوحيدة في المنطقة في مواجهة مصر

إذا في النهاية يجئ السؤال لماذا كان ترامب يلوح بالضربة؟ وهنا يجب أن نجيب إن التهديد كان هدفه الأساسي إجبار إيران على الدخول في مفاوضات عبر سلطنة عمان، وهذه المفاوضات هذه المرة لا تقتصر فقط على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل تشمل عنصرين إضافيين، هما السيطرة على أنظمة الصواريخ الباليستية الإيرانية التي وصل مداها حاليا إلى أوروبا، ومنع إيران من دعم الأذرع العسكرية في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن. 

وهذا، في اعتقادي، كان هو الهدف الحقيقي من التهديد الأمريكي بالتدخل العسكري، لدفع إيران في النهاية إلى القبول بالدخول في المفاوضات بدلًا من التعرض لعملية عسكرية كانت إيران ستخسر فيها الكثير. وكان ذلك هو تحليلي لأسباب عدم تنفيذ أمريكا عملياتها العسكرية ضد إيران منذ بداية هذا الموضوع.

Email: sfarag.media@outlook.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى