مصر إلى أين عام 2026 (1)

لواء دكتور/ سمير فرج
تبدأ مصر بعد أيام قليلة عامًا جديدًا وهو 2026، وعادة فإن معظم المحللين والخبراء ومراكز الدراسات الاستراتيجية تستعد مع بداية العام الجديد لأن تدرس وتحلل وتحدد استراتيجية كل دولة اتجاهاتها السياسة وهي تخطو خطواتها الى العام الجديد، ونحن أيضًاهنا في مصر نهتم بالتحليل الاستراتيجي لمصرنا الغالية الى اين في ظل ما يتعرض له العالم. من حولنا وقبل ان نبدأ في توضيح استراتيجية مصر في العام الجديد 2026 فانه علينا أن ندرس ونحلل أحداث 2025 والتي سوف تقودنا نحو العام الجديد 2026.
وفي البداية نحلل ماذا حدث في المنطقة والاتجاهات الاستراتيجية التي تحيط بمصر عام 2025، حيث تدخل مصر العام الجديد وكل الاتجاهات الاستراتيجية الأربعة التي تحيط بمصر متوترة، وبالتالي تستلزم الحذر والحرص والاستعداد في كافة هذه الاتجاهات الاستراتيجية، خاصة أن مصر لم تشهد من قبل عبر سنواتها الطويلة توترات في الاتجاهات الأربعة كما يحدث الآن في نفس الوقت.
وعندما نبدأ أولًا في الاتجاه الاستراتيجي الشمال الشرقي، ويقصد به الاتجاه السيناوي تجاه فلسطين وغزة وإسرائيل، نجد أن هذا الاتجاه شهد مع بداية التاريخ كل الغزوات التي جاءت إلى مصر، منذ جاء الهكسوس في فجر التاريخ ومن بعدهم حملة قمبيز ثم الإسكندر الأكبر ثم الحملة الصليبية والتتار ثم المغول ثم العثمانيين والإسرائيليين في حرب 56 وحرب 67، ثم الإرهاب الذي استمر على أرض سيناء ستة أعوام كاملة، وأخيرًا تجيء الحرب في غزة بين حماس وإسرائيل التي استمرت عامين وأكثر.
والآن تبدأ غزة في تطبيق مرحلة جديدة بعد مؤتمر السلام الذي عقد في شرم الشيخ لتنفيذ مبادرة وقف إطلاق النار للرئيس الأمريكي، والذي صدر بناءً عليه قرار من مجلس الأمن بموافقة 13 دولة وامتناع دولتين عن التصويت وهما روسيا والصين.
ولقد تم تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق حيث قامت حماس بتسليم عشرين رهينة وباقي جثمان واحد والكل منتظر تنفيذ المرحلة النهائية بوصول رئيس وزراء إسرائيل للولايات المتحدة يوم الاثنين الماضي مقابلة الرئيس الامريكي الذي أعلن أنه سيتم تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق وتوعد حماس إن لم يتم التخلص من سلاحهم عليهم أن يتحملوا الثمن باهظا وأضاف إنه اتفق مع نتنياهو حول ايقاف عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
وعلى الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الغربي ناحية ليبيا، فإن الأمور هناك أصبحت غير مستقرة ايضًا بعد رحيل العقيد معمر القذافي رحمه الله، حيث إن رئيس الوزراء دبيبة المنتهية ولايته يسيطر الان على غرب ليبيا من طرابلس، وهناك المشير حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، وعقيلة صالح رئيس البرلمان والقوى الوطنية في شرق ليبيا في بنغازي.
كما يوجد في ليبيا الآن 20 ألف من المرتزقة القادمين من شمال سوريا، علاوة على التواجد العسكري التركي في قاعدة بحرية وجوية هناك، وهو ما يعتبر في تقديرنا تهديدًا للأمن القومي المصري من الاتجاه الغربي.
وفي الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي ناحية السودان، حيث تعتبر السودان هي العمق الاستراتيجي لمصر، ونعلم أن نهر النيل يجري من دولة المنبع: النيل الأزرق (إثيوبيا) والنيل الأبيض، ويخترق السودان ليصل إلى مصر. وبالتالي يعد توتر الموقف في السودان، الذي يشهد الآن أكبر مجاعة في تاريخ أفريقيا وحرب أهلية بسبب الصراع العسكري بين الجيش الوطني السوداني بقيادة الفريق البرهاني وبين حميدتي قائد قوات الدعم السريع، والذي ما زال كل منهما يرفض وقف إطلاق النار، ويعتبر ذلك تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري ولقد أعلن الرئيس السيسي بعد مقابلته للبرهاني الأسبوع الماضي ان السودان خط احمر .
وفي اتجاه أقصى الجنوب نجد مشكلة سد النهضة وتعنت الجانب الإثيوبي للوصول إلى اتفاق مع مصر، وعدم التوصل إلى اتفاقية ملزمة ومتوازنة بشأن سد النهضة كما أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، خصوصًا أنه تم ملء الخزان خلف سد النهضة في الفترة السابقة بإجمالي حوالي 60 مليار متر مكعب.
وفي اتجاه الجنوب أيضًا يوجد تهديد من الحوثيين للملاحة في قناة السويس، التي خسرت بسببها مصر 9 مليارات دولار في الفترة السابقة، رغم أن تهديد الحوثيين ليس موجهًا لمصر، لكن أعمالهم العسكرية موجهة للملاحة في باب المندب ضد السفن الإسرائيلية أو السفن الأجنبية التي تحمل بضائع لإسرائيل.
ثم جاء اعتراف إسرائيل بإقليم صومالي لاند كدول مستقلة ذات سيادة ليزيد التعقيدات في منطقة القرن الافريقي حيث تطمح إسرائيل بإنشاء قاعدة عسكرية في بربرة.
أما في الاتجاه الاستراتيجي الشمالي حيث البحر الأبيض المتوسط، نجد أن مصر مهتمة الآن بتأمين هذا الاتجاه، خاصة بعد استيلاء إسرائيل على البلوك رقم 9 داخل المياه الاقتصادية اللبنانية، الأمر الذي جعل من المهم لمصر أن تؤمن حقول الغاز في المتوسط بوجود قوة بحرية مصرية قوية.
ومن ذلك كله نجد أن مصر مطالبة بتأمين هذه الاتجاهات الاستراتيجية الأربعة، مع العلم أن الاستراتيجية المصرية حاليًا هي أن السلام خيار استراتيجي، حيث إن مصر تطلب أن تعيش في سلام والذي من خلاله يتم مشاريع التنمية.
كل ذلك جعل المستهدف هو السلام، ولكنها تضع في اعتبارها أن السلام يلزمه القوة كي تحميه، ومن هذا المنطلق قامت مصر بتدعيم قواتها المسلحة لردع كل من تسوّل له نفسه المساس بالأمن القومي المصري.
وفي العدد القادم سنستعرض معًا استراتيجية وسياسة مصر عام 2026.
Email: sfarag.media@outlook.com