الأهراممقالات صحفيةموضوعات عامـــة

عندما يُحَول المحافظ لمكتب النائب العام!

تناولت فى مقالى الأسبوعي، يوم الخميس قبل الماضي، فترة عملى كملحق عسكرى لجمهورية مصر العربية فى تركيا. عرضت فى ذلك المقال تأثرى بتجربة مدينة بودرم السياحية، على ساحل أنطاليا، ومنازلها الجميلة ذات اللون الأبيض والنوافذ الزرقاء، وأشرت إلى تطبيق تلك الفكرة فى الأقصر، بعد تعيينى محافظا لها، فوحدت لون جميع مبانيها، واخترت لها اللون «الجريج» وهو خليط من اللونين البيج والرمادي، ليتناسب مع روح المدينة التاريخية، العريقة.

وعادة عندما تطرح فكرة، فإنها قد تصطدم ببعض العقبات، التى قد تتطلب الروية قبل الشروع فى التنفيذ. يربط محافظتى قنا والأقصر، طريق زراعي، يمتد بمحاذاة ترعة كبيرة، اسمها أصفون، لمسافة 35 كم. يسير على هذا الطريق، يوميا، أكثر من عشرة آلاف سائح، قادمين من مدينة الغردقة فى زيارة اليوم الواحد للأقصر، تتحرك أفواجهم، من الغردقة، فى تمام السادسة من صباح كل يوم، لتصل إلى الأقصر فى العاشرة صباحاً، حيث يقضون يوما كاملا بها، تتخلله الزيارات للمناطق الأثرية فى البر الشرقى والغربي، ثم حضور عرض الصوت والضوء، قبل عودتهم ليلا إلى الغردقة.

والواقع أن هذه الزيارة كانت تحقق مكاسب كبيرة لجميع الأطراف؛ فهذه الزيارة للأقصر لا تكون ضمن برنامج السائح الذى تعاقد عليه مع شركات السياحة فى بلاده، وإنما تُعرض عليه عند وصوله للغردقة، ويسدد قيمتها هناك، حال رغبته فى القيام بها، فكانت مصدر دخل كبير سواء للفنادق، أو شركات النقل السياحي، فضلا عن حركة الرواج التى تحققها للمزارات السياحية فى الأقصر، ولمطاعمها وبازاراتها. حتى إن وزير النقل، آنذاك، تكرم مشكورا بإنشاء كوبرى على طريق السكة الحديد، حتى لا يتعطل السائح لعبور المزلقان.

ونظرا لحيوية ذلك الطريق الزراعي، وما يمثله من واجهة لمصر أمام السائح، فقد رأيت ضرورة تجميل بيوت الفلاحين المقامة على جنباته، متفادياً اللون الجريج الذى تم اختياره لمدينة الأقصر، لعدم ملاءمته لطبيعة تلك المنازل، وموقعها بين الأراضى الزراعية، لذلك اخترت أن يكون دهانها مضاهيا لمنازل أهالى النوبة، المتميزة بألوانها الزاهية. وبدلا من الفكر التقليدى بإسناد المهمة لأحد المقاولين، فقد قررت إسنادها لكلية الفنون الجميلة بالأقصر، والحقيقة أن الدكتور أحمد نظيف، رئيس مجلس الوزراء، آنذاك، قد ساند فكرتي، وأصدر قراره بإسناد المهمة لكلية الفنون الجميلة بالأقصر، بالأمر المباشر، تجنبا للعقبات البيروقراطية.

وفى أول يوم لبدء المهمة، اصطحبت معى الدكتور عبد العاطي، عميد الكلية، ومعه أساتذة، ومعيدي، وطلبة الكلية، لدهان أول نجع على طريق المطار، ليكون باكورة التنفيذ، حيث تقوم الكلية بتنفيذ بعض النماذج بالألوان، حتى يتم اختيار الأنسب منها، لتعميمها. ووصلنا إلى منطقة النجع، وأنا فخور بما آراه وألمسه من حماس الطلبة وطاقم التدريس بالكلية، ليس لأى مكسب مادي، خاصة أنه كان ضئيلا، وإنما المكسب الأدبى المتمثل فى المشاركة العملية فى تطوير مدينتهم، وهو ما يزيد من روابط الانتماء لها، والفخر بها، فضلا عما سيكتسبونه من خبرة ميدانية خلال تنفيذ ذلك المشروع، وهو ما كنت أطمح إليه، تماماً، من قرار إسناد المهمة لهم.

وأثناء الجولة تقدم لى شاب من أبناء النجع، قائلا: «سيادة المحافظ … عندنا مشكلة فى الغسيل الكلوى لأهل النجع. عشرة من أهلنا يحتاجون إلى غسيل كلوي، والمستشفى القريب به إصلاحات، مما يضطرهم للذهاب يوميا إلى المستشفى البعيد». هالنى رقم عشرة أفراد، ليقينى أنهم يمثلون نسبة ليست هينة من أهالى النجع، الذين تأكدت من أنهم لا يزيدون على 250 فردا. إذن هناك مشكلة … ولكنها ليست فى بُعد المستشفى … المشكلة أعمق وأخطر!.

أصطحبنى ذلك الشاب لأرى بنفسى مياه الشرب فى منازلهم … المياه لونها بنى … والله بني!! والسبب أن النجع يشرب من طلمبات حبشية من باطن الأرض، بالرغم من وقوعه على بعد خمسين مترا من طريق المطار، وبجانبه خط المياه العذبة من المدينة إلى المطار. أمسكت هاتفي، وأبلغت السكرتير المساعد اللواء محمد عبد العزيز، بتعليماتى بقطع خط مياه المطار، بدءا من اليوم، وتحويل المياه للنجع، على أن أصلى الجمعة المقبل فى النجع، وأتأكد من أهاليه بأنه أصبح داخل كل منزل منهم حنفية مياه عذبة نظيفة. على أن تتحمل المحافظة جميع النفقات، بما فيها التوصيلات داخل المنازل … وده أرخص من علاج الفشل الكلوي. وأديت صلاة الجمعة مع أهالى النجع، والخمسين منزلا بداخلها حنفيات المياه الصالحة للشرب، كما وعدت.

فى الأسبوع التالي، تلقيت مكالمة من المحامى العام لنيابات الأقصر، ليبلغني، ونبرات الخجل تكسو صوته، بأن وزير الرى قدم فيّ بلاغاً للنيابة العامة، لأننى أدخلت المرافق لمنازل موجودة على أرض الري، التابعة لترعة أصفون، وهو ما يخالف القانون، نظرا لتبعية الأرض لوزارة الري، وبناء عليه يجب أن يبدأ تحقيق رسمى فى تلك الواقعة. فقلت له: ولما لم يتم إزالة تلك المنازل لمدة خمسين عاماً، مادامت مخالفة؟!، فسكت وكيل النائب العام. المهم أننى كنت على موعد مع زيارة السيد رئيس الجمهورية إلى المحافظة بعدها بيومين، فطلبت من وكيل النائب العام إمهالى يومين للانتهاء من ترتيبات الزيارة، والتى لولاها لكنت تقدمت، على الفور، باستقالة مسببة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء.

وبعد يومين، وأثناء انتظار هبوط الطائرة الرئاسية فى مطار الأقصر، أبلغت الدكتور نظيف بالواقعة، فنادى أمين عام مجلس الوزراء، طالبا ورقة بيضاء، فلم يجد إلا ورقة عليها شعار مصر للطيران، فمدها لى قائلا، اكتب طلبا لمد المياه العذبة لهذا النجع، فكتبته، وأشر عليه رئيس مجلس الوزراء بالموافقة فى حينه، وتسليم الطلب للنائب العام فى القاهرة.

قصدت من هذا ضرورة العمل على تغيير نظام الحكم المحلي، ومنح المحافظين صلاحيات واسعة، تمكنهم من تنمية محافظاتهم. ومازلت أتابع حالة هذا النجع وتأكدت من عدم ظهور أى حالة فشل كلوى … انتهى!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى