الأهراممقالات صحفيةموضوعات عامـــة

عفروتو

فى وسط القاهرة، يقع حى الزمالك العريق، أحد أرقى أحياء القاهرة، منذ الخمسينيات، عندما تم فيه إنشاء أول ناد لضباط القوات المسلحة المصرية، والذى شهد أحداث ثورة يوليو 1952، سواء ما قبلها عندما تحدى ضباط القوات المسلحة، الملك فاروق، فى انتخابات النادي، أو بعدها عندما أصبح، هذا النادي، مقراً للاحتفال السنوى بذكرى الثورة، بحضور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وأعضاء مجلس قيادة الثورة، والذى كانت مصر، وشعوب العالم العربى كله، تنتظره لجمعه كوكبة من عمالقة الفن من هذا الجيل، أمثال كوكب الشرق السيدة أم كلثوم، والعندليب عبد الحليم حافظ، وكروان الشرق فايزة أحمد، وقيثارة الطرب نجاة الصغيرة، وغيرهم من رموز الفن المصرى والعربي، الذين شدوا بأجمل أغانيهم الوطنية، والعاطفية، على ذلك المسرح. كما كان هذا النادى يشهد، كل عام، الحفل الخيرى الساهر، للكلية الحربية، فى المساء، بحضور المشير عبد الحكيم عامر، لذلك أصبح هذا النادي، فى يوم من الأيام، يمثل حقبة مهمة من تاريخ مصر السياسى والعسكري.

بعد فترة تم اقتطاع جزء من النادي، لبناء فندق صغير ومسرح، فى هذا المكان المتميز فى قلب القاهرة. ومرت الأعوام وتوليت إدارة الشئون المعنوية، للقوات المسلحة المصرية، وأثناء مشاركتى فى أحد التزامات القوات المسلحة، طلبنى المشير طنطاوي، لأتوجه مع سيادته لزيارة مسرح نادى الزمالك، والوقوف على حالته، بعدما انتهت المدة التعاقدية مع فرقة فؤاد المهندس. وصلنا إلى المسرح، فوجدناه فى حالة يرثى لها، فقرر المشير طنطاوي، فى حينه، نقل تبعيته لإدارة الشئون المعنوية، وحملنى مسئولية تطويره على أعلى مستوي.

عدت إلى مكتبى أفكر بالمهمة، وآليات تنفيذها، متخذاً الفكر العلمى سبيلاً، ففكرت فى الاستعانة بأصحاب الخبرات فى المسارح المصرية، إلا أننى خشيت أن يقودنا هذا لنفس الفكر النمطي، ثم فكرت فى الاحتذاء بالفكر العالمى فى المسارح، وعلى الفور، اتصلت بالملحق العسكرى الفرنسي، وطلبت منه الحضور لمقابلتي، ومعه الملحق الثقافى الفرنسى بالقاهرة، وهو ما كان فى اليوم التالى مباشرة.

طلبت من الملحق الثقافى أن يطلعنى على أحدث ما توصلت له بلاده فى مجال تطوير المسارح، باعتبار فرنسا منبعاً للثقافة والفنون فى العالم، وطلبت منه رؤية مسارح فرنسية قديمة، مما تم تطويرها حديثاً، وبالفعل، هاتفنى سيادته، بعد أيام قليلة، ليبلغنى باستعداد الحكومة الفرنسية لاستقبال من نراه مناسباً لزيارة أحد مسارح حى بيجال، فى باريس، الذى تم تطويره، مؤخراً، على أحدث النظم الفنية والتقنية الحديثة. لم اعتمد على فرنسا وحدها، وإنما كررت التجربة مع الملحق العسكرى البريطانى فى القاهرة، وبعدها بفترة وجيزة، تم إيفاد مهندس من ضباط إدارة الشئون المعنوية، للتعرف، خلال سبعة أيام، على الفكر الحديث لتطوير المسارح، فى كل من فرنسا وإنجلترا.

تم إعداد تقرير متكامل عن مزايا المفهوم الفرنسى والبريطانى فى التطوير، متخذين منهما الأصلح للحالة المصرية، وبدأنا على الفور فى تطوير مسرح الزمالك. ونظراً للحالة التى كان المسرح قد وصل إليها، فلا أبالغ إن قلت أنه تم هدم كل ما فيه، إلا الهياكل الخرسانية، وتم إحلال المسرح بالكامل, المقاعد، وأنظمة الصوت، والإضاءة، والتهوية والتكييف، والأمن الصناعي، وخشبة المسرح، والستائر البريمو، والسكندوه، وغرف الفنانين، ومخازن الديكور وورشه، والكافيتريا، وشباك التذاكر الذى زود، ولأول مرة، بأجهزة الكمبيوتر للحجز، حتى أفيشات المسرح من الخارج، وبناءً على الخبرات الفرنسية والإنجليزية، تم إعداد المسرح ليكون داراً للسينما، أيضاً، علاوة على المسرح، وتم تزويده بأحدث آلات العرض السينمائي، فى ذلك الوقت، وهكذا أصبح لمصر أحدث دار عرض مسرحى وسينمائي. ولأن القوات المسلحة تتبع المفاهيم العلمية فى حساباتها، فلقد تم حساب التكلفة، ومدة الإهلاك، وتم تحديد القيمة الجديدة لإيجار المسرح، وفقاً للمعادلات الحسابية المعمول بها.

كانت تلك الفترة تشهد ميلاد نجم جديد، صاعد، وواعد، فى مجال الفن بصفة عامة، والمسرح بصفة خاصة، وهو الفنان القدير المتميز، محمد هنيدي، بعد أن حقق دوره فى مسرحية «حزمنى يا» نجاحاً كبيراً، مهد له الطريق لبطولة عمل مسرحى جديد. حضر الفنان هنيدى إلى مكتبي، بإدارة الشئون المعنوية، وأبلغنى بمشروعه لعمل مسرحى جديد، يلعب هو فيه دور البطولة، ويطلب تأجير مسرح الزمالك، لما لمسه فيه من إمكانات رائعة، ستساعده على أن يظهر فى أول بطولة له على المسرح، بالصورة المشرفة، التى يحلم بها، لإبراز موهبته الفنية، إلا أنه فوجئ بالارتفاع النسبى فى قيمة ايجار المسرح، وطلب أن تساعده القوات المسلحة بتخفيض قيمة الإيجار، باعتباره فى بداية المشوار.

تسلمت منه طلبه رسمياً، لعرضه على المشير طنطاوي، الذى كان على علم بتكاليف تطوير المسرح، وضرورة العمل على استرداد تلك الأموال، وفقاً للنموذج المالى الموضوع، وبعد مناقشتى مع سيادته عن الحسابات المعنوية، بالتعاون لتقديم نجم جديد، ليس للفن المصرى فحسب، وإنما للعالم العربى كله، وأبعاد ذلك على الثقافة، أو القوة الناعمة المصرية، التى تعد جزءا من الأمن القومى المصري، والذى نحن، كقوات مسلحة مسئولون عنه … بعدها ابتسم المشير طنطاوي، قائلاً إنه يعتبر محمد هنيدى فناناً متميزاً، ومشروع نجم جديد لمصر، مضيفاً أنه لا مانع لديه، شخصياً، من تخفيض القيمة الإيجارية، إلا أن الأمر متروك لمجلس إدارة المسرح لاتخاذ ما يرونه مناسباً. وبالفعل، تم عرض طلب تخفيض أجر المسرح، على مجلس الإدارة، وتمت الموافقة، وعرض الفنان محمد هنيدى مسرحيته »عفروتو«، لثلاثة مواسم متتالية، ولقيت نجاحاً مصرياً وعربياً، كبيرا، دفعه للتقدم إلى الصفوف الأولى لنجوم الفن المصرى الأصيل.

والحقيقة أن الفنان محمد هنيدى لم ينس ذلك الموقف، يوماً، حتى أثناء وجوده، بعدها بسنوات، لتقديم واجب العزاء، فى والدة المشير طنطاوي، إذ سمعته يقول للسيد المشير: جميل القوات المسلحة على رأسى يا فندم، ورد عليه السيد المشير طنطاوي: أنت فنان موهوب، وربنا منحك هذه الموهبة … إحنا فقط قدمنا لك المساعدة. وحتى يومنا هذا، عندما يجمعنى لقاء بالفنان النجم محمد هنيدي، نتذكر هذه الأيام، وأقول إن مصر ستظل، دوماً، القوة الناعمة للعالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى