الأهراممقالات صحفيةموضوعات عامـــة

عاصفة على قصر باكينجهام

رشحتني القوات المسلحة المصرية، عام 1975، للدراسة في كلية كمبرلي الملكية، بإنجلترا، وهو ما كان مفاجأة كبيرة، لم أحدد، حينها، مشاعري تجاهها؛ فهل أسعد بأن أهلني تفوقي، لأكون أول ضابط مصري يبتعث إلى بريطانيا، بعد عشرون عاماً من الانقطاع، أم أحزن لسفري إلى المملكة التي أغارت على بلدي، مصر، في حرب السويس، عام 56، وهاجم جيشها مدينتي الحبيبة، بورسعيد، واحتلها، بعدما أمطرها بوابل من القنابل، والقذائف المدفعية، استشهد بسببها، عدد من رجال الجيش المصري، وأفراد المقاومة الشعبية، بعد قتال شرس، وبطولات مصرية، أذاقت خلالها المقاومة الشعبية، جيش الاحتلال البريطاني، ألوان العذاب من خلال عملياتها الفدائية، حتى أجلوهم عن بورسعيد، يوم 23 ديسمبر، عام 1956، فسجل اليوم عيداً للنصر للمصر، وعيداً قومياً لغاليتي بورسعيد.

وصلت إلى بلاد الإنجليز، وما هي إلا أشهر، قليلة، حتى تعلمت الفرق بين الحكام، والشعوب، ومن خلال اطلاعي على الصحف البريطانية، في مكتبة الكلية، المزامنة “لحملة السويس”، كما سماها الإنجليز، عرفت أن الحكام هم من كرهوا مصر، وليس الشعب البريطاني. قرأت عن جنون أنطوني إيدين، رئيس الوزراء البريطاني، من نجاح “الكولونيل” عبد الناصر من طرد الجيش البريطاني من مصر، وكيف هز عرش الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بتأميمه لقناة السويس. ولاحظت حب الإنجليز لمصر، وإجلالهم لتاريخها، وحضارتها، وارتباطهم بها، حتى في أبسط المظاهر، مثل عرض التليفزيون البريطاني، في ليلة الكريسماس، من كل عام، لفيلم “جريمة على النيل”، أو “Death on the Nile”، للكاتبة الكبيرة أجاثا كريستي، في أحد رواياتها التشويقية، التي دارات أحداثها في رحلة نيلية بين الأقصر وأسوان.

ومن خلال مواقف حياتية، بسيطة، تغيرت نظرتي للشعب الإنجليزي، بعدما خالطته، وانبهرت بتقاليده العريقة، واحترامه لها، كان منها في أحد أيام عطلة نهاية الأسبوع، التي تعودت فيها زيارة لندن، والاستفادة من مجانية دخول متاحفها، خلالها، ونظراً لمحدودية الإمكانات، فقد كانت وجبتي للغذاء، في لندن، قطعتان من الشوكولاتة، لحين عودتي للكلية، وتناول وجبة العشاء، وفي أحد المرات ابتاعني التاجر قطعتان، أحدهما مقابل 4 بنس، والأخرى مقابل 6 بنس، فلما استفسرت، وضح لي أن الأولى من علبة سابقة لزيادة الأسعار، بينما الثانية، خضعت للزيادة، فتعلمت مفهوم تطبيق الحضارة.

تزامن وجودي في إنجلترا، مع تعالي، بعض، الصيحات الشعبية، المتذمرة من تحمل موازنة المملكة، من أموال دافعي الضرائب، للتكاليف الباهظة لمعيشة العائلة الملكية، في ظل ارتفاع ثروات أفرادها، بل ووصل الأمر لمطالبة، البعض، بإلغاء الملكية، بوصفها عبء على الموازنة العامة، إلا أن الأزمة سرعان ما مرت، لعشق البريطانيون للملكة إليزابيث. توالت، منذ ذلك الحين، الضربات، الموجعة، على الأسرة المالكة، كان أبرزها، وأشهرها، وفاة أميرة القلوب، ديانا، في حادث مروع، بعد سنوات من تمردها على القيود الملكية، سواء في الظهور، أو الحديث، أو حتى تربية أولادها، الأميرين، ويليام وهاري. وما أعقب وفاتها، بسنوات، من زواج الأمير تشارلز بحبيبته كاميلا باركر، التي كانت حديث وسائل الإعلام البريطانية، لسنوات، بعدما أعلنت الأميرة ديانا خيانة الأمير تشارلز لها مع السيدة باركر، مما خفض كثيراً من شعبيته في بريطانيا، وأصبح أحد أهم أسباب عدم تنازل الملكة إليزابيث عن العرش له، رغم تقدم عمرها.

لم تسكن العواصف على العائلة الملكية، وهب أخرها في إعلان الأمير هاري، وزوجته، منذ بضع أسابيع، التخلي عن مهامهما الملكية، من خلال حسابهما، على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، فيما أربك جميع الحسابات الملكية، وأعاد للأذهان صورة الملك إدوارد الثامن، الذي تخلى عن العرش، طوعاً، للزواج من حبيبته، الأمريكية الأصل، والمطلقة، ضارباً الحائط بجميع التقاليد الملكية، المنظمة للقصر. تعود جذور الأزمة إلى أواخر عام 2017، عندما أعلن الأمير هاري، خطبته إلى السيدة ميجان ماركل، الأمريكية الجنسية، ذات الأصول الأفريقية، وتكبره بعامين، وتعمل بالتمثيل، ووصفتها الملكة إليزابيث بأنها مجرد ممثلة متواضعة الإمكانات، بل واتهمها، حينها، الكثير من الإنجليز باستغلالها للأمير هاري، للوصول لمآرب شخصية، ومادية، مرجعين ذلك إلى زيجتها السابقة من منتج أمريكي، للصعود على أكتافه لسلم المجد السينمائي. بينما يصفها المقربون منها بأنها ذات شخصية قوية، جاهدت في مبادرات، وحملات، لتمكين المرأة، والقضاء على التمييز العنصري، كما علمت في مجال الموضة، مؤسسة خط أزياء باسمها عام 2016.

ترى بعض الآراء أنه بعد إتمام الزيجة، في ربيع 2018، حاولت ميجان التنسيق بين حياتها الخاصة، والتقاليد الملكية البريطانية، إلا أنها لم تنجح، نظراً لما تفرضه الارتباطات الملكية البريطانية من التزام، فيبدو أنها نجحت في التأثير على الأمير هاري، للتخلي عن الحياة الملكية، والاستقرار ما بين المملكة المتحدة، وكندا، ورغم يقين الجميع، بعدم رضاء العائلة الملكية، على ما أطلق عليه العامة اسم “ميجست”، نسبة إلى ميجان، وقياساً على مصطلح “بريكست”، الذي يشير إلى عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فقد أصدرت الملكة إليزابيث بياناً، أعلنت فيه “مباركتها” لقرار حفيدها، وزوجته، برغبتهما في الحياة بصورة مستقلة، بعيداً عن الأضواء، معربة عن سعادتها بكون ميجان ماركل أحد أعضاء العائلة الملكية، كما وافقت على تجريدهما من ألقابهما الملكية، وما تفرضه من التزامات، إضافة إلى وقف مجموعة المخصصات المالية، وإلزامهما برد مبلغ 2,4 مليون جنية إسترليني، من أموال دافعي الضرائب، كان قد تم استخدمهم لتجديد محل إقامتها، الرسمي، بقلعة وندسور.

تقدر ثروة الأمير هاري بنحو 30 مليون جنية إسترليني، ويتساءل الجميع في بريطانيا، الآن، عن كيفية عيش الأمير هاري، وعائلته، في المستقبل، بعد اعتيادهما على حياة الترف، التي كلفت موازنة الدولة 6 ملايين جنيه إسترليني، سنوياً، والتي كانت، بعض، أحداثها محل للعديد من الانتقادات، مثل تكلفة الاحتفال بعيد ميلاد ميجان، والمقدرة بمبلغ 200 ألف جنية إسترليني، وحفل استقبال مولودهما الجديد، الذي تكلف 379 ألف جنية إسترليني.

وبينما ستكشف الأيام، الأسباب، الحقيقية، وراء قرار الأمير هاري، وزوجته، للتخلي عن ألقابهما الملكية، إلا أنني أرى في تلك الخطوة، أو التمرد، عظيم الأثر على العائلة الملكية البريطانية، ونظام الحكم في البريطاني، في المستقبل، خاصة عند رحيل الملكة إليزابيث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى