المصري اليوم

حرب …الاستنزاف فخر العسكرية المصرية

حرب الاستنزاف.. فخر العسكرية المصرية

يهل علينا شهر أكتوبر ومعه أجمل ذكريات النصر عام 73، ولكن قبل تحقيق النصر العظيم يجب أن نتذكر ست سنوات من حرب الاستنزاف.. وهناك مقولة لدينا، نحن العسكريين، وهى «أن الحرب تعلم الحرب».. أى أن الجيوش التى لم تشترك فى أى حروب حديثة لن تكون لديها الخبرة العملية فى ميدان المعركة التى يمكن أن نتعلم منها الكثير، وهذا يفسر لماذا تطلب العديد من الدول الآن تنفيذ تدريبات عسكرية مشتركة مع القوات المصرية، بل إن مراكز الدراسات الاستراتيجية أقرت أن القوات المسلحة المصرية الآن هى أكثر دولة فى العالم تُجرى تدريبات عسكرية مشتركة مع دول أخرى، حيث تريد هذه الدول أن تستفيد بخبرة القوات المسلحة المصرية التى خاضت أربع حروب رئيسية فى الفترة الماضية فى الصراع العربى- الإسرائيلى فى 56، وحرب 67، وحرب الاستنزاف، وحرب 73 وحرب خامسة فى تحرير الكويت.

ولقد جاءت أهمية حرب الاستنزاف، التى بدأت بمعركة رأس العش يوم 1 يوليو عام 1967، عندما تقدمت المدرعات الإسرائيلية لاحتلال مدينة بورفؤاد، وتصدَّت لها فصيلة من الصاعقة المصرية بقوة 30 مقاتلًا فى منطقة رأس العش، وأوقفت تقدم القوات الإسرائيلية بعد تكبدها خسائر جسيمة، وأصبحت معركة رأس العش رمزًا للصمود المصرى بعد هزيمة 67.

ولقد بدأت مرحلة حرب الاستنزاف ببناء الدفاعات المصرية غرب قناة السويس بعد انسحاب الجيش المصرى من سيناء، حيث تركزت المرحلة الأولى فى حرب الاستنزاف فى بناء خطوط دفاعية غرب قناة السويس، والتى سُميت الخطة الدفاعية 200، وتم فيها تنظيم خطوط دفاعية كاملة لمنع العدو من اختراق قناة السويس والتقدم غربًا.. وفى نفس الوقت بدأت القوات المصرية إعادة تسليح عناصرها بالأسلحة التى كانت تصلها من الاتحاد السوفيتى.

.. بدلًا من الأسلحة التى فقدتها مصر فى سيناء فى حرب 67، وعلى سبيل المثال تم تحويل جميع فرق المشاة إلى مشاة ميكانيكى بتسليحها بعربات قتال مدرعة حديثة برمائية.. ولقد سُميت هذه الفترة مرحلة الصمود التى استغرقت المدة من يونيو 1967 إلى أغسطس 1968، كذلك تمت إعادة تنظيم الجيش المصرى بإنشاء قيادة الجيشين الثانى والثالث وإنشاء قيادة قوات الدفاع الجوى، ثم جاءت المرحلة الثانية من حرب الاستنزاف، التى أُطلق عليها الدفاع النشط، حيث تم فيها الاشتباك مع القوات الإسرائيلية خلال مرحلة بناء خط بارليف، وحققت المدفعية المصرية فى هذه الفترة خبرة كبيرة من أعمالها القتالية، وخلال هذه الفترة استُشهد الفريق عبدالمنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، يوم 8 مارس، عندما توجه بنفسه إلى الجبهة ليتابع ويرى نتائج معركة تدمير خط بارليف بنيران المدفعية المباشرة، وقرر أن يتقدم إلى الخط الأول ليرى عن قرب نتائج الاشتباكات، فانهالت عليه نيران القوات الإسرائيلية وسقطت إحدى دانات المدفعية بجواره، واستُشهد متأثرًا بالشظايا القاتلة.

ثم جاءت مرحلة جديدة من حرب الاستنزاف أُطلق عليها «مرحلة الردع»، حيث تمكنت بعض القوات المصرية من عبور قناة السويس والقيام بعمليات إغارة كمائن، وهذه المرحلة اكتسبت القوات المصرية ما يطلق عليه «التطعيم للمعركة»، وارتفعت الروح المعنوية للجيش المصرى، وتخطى المقاتل المصرى حاجز الخوف.

ودارت فى هذه الفترة 22 معركة جوية، اشتركت فيها 120 طائرة مقاتلة إسرائيلية فى مواجهة 110 مقاتلات مصرية، وكانت خسائر المصريين 28 طائرة، وخسائر العدو 14 طائرة، وكان ذلك بسبب أن معظم الطيارين المصريين حديثو الخبرة، لكنهم اكتسبوا المهارة من هذه العمليات الجوية.

أما العمليات البرية فلقد كانت 44 عملية ما بين إغارة وكمين نفذت 5 أعمال فى عمق إسرائيل ونفذت إسرائيل 28 عملًا إيجابيًا، منها 16 عملًا من العمق المصرى، واستُشهد من الجانب المصرى 16 ضابطًا و150 من ذوى الرتب الأخرى، بينما خسرت إسرائيل 133 قتيلًا و320 جريحًا طبقًا لما صرح به موشى ديان، ويمكن القول إنه فى مرحلة حرب الاستنزاف نجحت مصر فى تدمير المدمرة إيلات أمام شواطئ بورسعيد، وعليها 100 فرد وطلبة الكلية الحربية الإسرائيلية فى أول عملية زوارق صواريخ فى التاريخ العسكرى، ويرقد حطام المدمرة الآن فى قاع البحر المتوسط أمام ساحل بورسعيد.

كذلك نجحت مصر فى إغراق الغواصة داكار، التى حاولت مهاجمة ميناء الإسكندرية، كذلك نجحت قواتنا البحرية باستخدام الضفادع البشرية بالتعاون مع المخابرات العامة فى تدمير الحفار الإسرائيلى أمام دولة ساحل العاج قبل أن يصل إلى البحر الأحمر، حيث كانت إسرائيل تنوى استخدامه فى التنقيب عن البترول هناك، لذلك أمر الرئيس عبدالناصر بتدميره قبل الوصول إلى البحر الأحمر.

كما تمت الإغارة على ميناء إيلات الإسرائيلى بمعرفة الضفادع البشرية المصرية، كذلك نجحت القوات المصرية خلال فترة حرب الاستنزاف فى بناء حائط الصواريخ المصرى، الذى كان أحد الأسباب الرئيسية فى نجاح عملية العبور واقتحام خط بارليف، ولعل أسبوع تساقط طائرات الفانتوم الإسرائيلية فى حرب الاستنزاف كان أكبر ضربة لإسرائيل فى تاريخها العسكرى.

وخلال فترة حرب الاستنزاف تم تهجير مدن القناة بورسعيد والإسماعيلية والسويس لكى يعطى أفراد هذا الشعب المثل فى التضحية والقدوة الوطنية.. وخلال حرب الاستنزاف، بدأت القوات المصرية فى التدريب على عمليات العبور واقتحام خط بارليف مع استمرار وجود القوات العسكرية المدافعة على خط قناة السويس، وبدأت القوات الجوية المصرية فى بناء دشم خرسانية للطائرات فى جميع القواعد العسكرية، كذلك تدريب أعداد كبيرة من الطيارين ليتضاعف العدد 3 مرات قبل البدء فى حرب أكتوبر 73.

أما على الجانب المصرى فإننا نقول بكل ثقة- خاصة أننى كنت واحدًا من المشاركين فى هذه الفترة على الخط الأمامى فى منطقة جنوب البحيرات- إننا تعلمنا الكثير والكثير خلال فترة حرب الاستنزاف فى كل المجالات، سواء المشاة أو المدرعات أو المدفعية أو باقى عناصر القوات المسلحة فى العمليات الدفاعية وعمليات التطعيم للمعركة.

وجاءت مرحلة التخطيط لحرب أكتوبر 73 خلال فترة حرب الاستنزاف لكى تكمل تلك الصورة الرائعة للمقاتل المصرى فى الصمود أمام صلف الغرور الإسرائيلى وتكوين وبناء الدفاعات المصرية ثم التحول إلى استنزاف ذلك العدو الإسرائيلى، ثم التخطيط لإدارة حرب الشرف والكرامة، لذلك نُجمل القول إن حرب الاستنزاف كانت هى البوتقة التى تعلم فيها الجيش المصرى فنون الحرب الحديثة، ومن خلالها نجح فى تحقيق النصر فى حرب أكتوبر المجيدة، وإنه لولا حرب الاستنزاف لما نجح الجيش المصرى فى تحقيق هذا النصر العظيم فى أكتوبر 73.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى