الأمن القومي والمنطقة العربيةالأهراممقالات صحفية

التوتر فى المنطقة .. بين مشكلات المياه وظهور مشكلة الغاز

فى الماضى .. منذ نحو ثلاثين عاماً، كان الخبراء يكررون مقولة «الحرب القادمة فى الشرق الأوسط، ستندلع من أجل المياه» .. والحقيقة أن تلك المقولة قد صدقت، ونحن نشهد الصراعات الدائرة فى منطقتنا حول المياه … سواء كانت صراعات حول منابع المياه، أو حول تقسيمها بين دول المنبع، ودول المصب. إلا أن الخبراء لم يتوقعوا ألا تقتصر الصراعات حول المياه فقط، ولم يتوقعوا أن تمتد إلى مصادر أخرى أهمها، اليوم، مناطق الاستكشافات البترولية فى البحر الأبيض المتوسط .. لم يتوقع أحد أن المنطقة قد تلتهب بسبب الصراع بين إسرائيل ولبنان على سيادتهما على مناطق اكتشاف الغاز الطبيعي، أو بسبب الأطماع التركية فى مقدرات اليونان وقبرص من تلك الثروة الكامنة فى أعماق البحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن التحرش التركى بمصر، برفض اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المبرمة بين مصر وقبرص فى عام 2013!.

فظهرت مشكلة المياه بين مصر وإثيوبيا، باعتبار الأخيرة هى دولة المنبع الشرقى لنهر النيل، الذى يُشكل مصدراً لنسبة 85% من تدفقات مياه النهر، وهو الأقرب والأهم لمصر، بينما تصل النسبة الباقية، 15%، من دول منابع البحيرات الاستوائية، والتى تضم ست دول أخرى هى كينيا، وأوغندا، وتنزانيا، ورواندا، وبوروندي، والكونغو الديمقراطية. فقامت إثيوبيا، مستغلة أحداث 25 يناير 2011، ببناء سد النهضة، وبينما يتم التفاوض معها على مدة ملء الخزان، بما لا يؤثر على حصة مصر من مياه النيل، إذ بها تعلن عن خطتها لبناء أربعة سدود أخرى، ليستمر التوتر قائماً فى المنطقة.

والأمر ليس مقصوراً على أزمة مياه نهر النيل، فحسب، وإنما تمتد إلى مناطق أخرى، مثل مشكلة نهر بردي، فى سوريا، والذى تحصل سوريا على حصة من مياهه تقدر بنحو 5 امتار مكعبة فى الثانية، وأرادت رفع تلك الحصة إلى 7 أمتار مكعبة فى الثانية، إلا أن تركيا، باعتبارها دولة المنبع، قد رفضت هذا الطلب، بل وأصرت على تخفيض الحصة الحالية لسوريا، من 5 امتار مكعبة فى الثانية، إلى 3 أمتار مكعب فقط، متعللة، فى ذلك، بحاجة تركيا إلى فائض المياه. كما رأت تركيا أن على سوريا البحث عن بدائل وتقنيات حديثة فى الزراعة، لترشيد استخدام المياه العذبة.

ومع ظهور البترول، والغاز الطبيعي، فى البحر المتوسط، قبالة السواحل المصرية، والإسرائيلية، والقبرصية، واليونانية، لاحت بوادر التوتر، مرة أخرى، خاصة من جانب تركيا. فلقد نجحت مصر خلال عام 2013 بترسيم حدودها البحرية مع إسرائيل، ومع قبرص، بموجب اتفاقات دولية، ووفقاً للقوانين المعمول بها فى هذا الشأن، وتم إيداع تلك الاتفاقات بالأمم المتحدة. وكان لهذا الإجراء كبير الأثر على تشجيع شركات البترول العالمية على الاستثمار فى المنطقة فى عمليات الكشف والتنقيب عن حقول بترول جديدة فى البحر المتوسط، خاصة فى ظل وجود دراسات تؤكد أن المنطقة تسبح فوق حقول البترول.

فبدأ التحرش التركى بإعلان وزير خارجيتها، منذ بضعة أيام، عدم اعتراف بلاده باتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص، مطالباً بإسقاطها. وتمادت تركيا فى تحرشها البحري، بأن منعت حفارات شركة «إيني» الإيطالية من العمل داخل المياه القبرصية، مما دعا إيطاليا إلى الإعلان عن إرسال مدمرة لتأمين عمل الشركة الإيطالية. فأطلق الرئيس التركي، أردوغان، تحذيره إلى شركات البترول العالمية، بعدم العمل فى هذه المنطقة، ومراعاة حدود قوتهم، بل وصل الأمر إلى التهديد باستخدام القوة العسكرية، ضد اليونان وقبرص.

ولم يخل الاتجاه الشرقى من بوادر أزمة جديدة، بدأت بتوقيع الحكومة اللبنانية عقودا مع تحالف الشركات النفطية العالمية، لاستكشاف وإنتاج النفط، فى المربع 4، 9 من المياه الإقليمية اللبنانية، فخرجت إسرائيل ببيان يشير إلى سيادتها على المربع 9، معتبرة أن لبنان قد مست بسيادتها بتوقيع ذلك الاتفاق .. لتبدأ سلسلة جديدة من التحرش بين إسرائيل ولبنان.

وبذلك، بدأت الأمور فى منطقة البحر الأبيض المتوسط تأخذ منحى جديدا، ومن المتوقع أن تصبح، هذه المنطقة، مسرحا للكثير من الأحداث فى الفترة القادمة. فبالإضافة إلى ما تشهده منطقة الشرق الأوسط، بأكملها، من توترات، إلا أن منطقة البحر المتوسط ستشهد نوعاً آخر من التوترات .. والاستفزازات .. والتحرشات، التى قد تصل، فى بعض الأحيان، إلى عمليات عسكرية، خاصة بين تركيا واليونان، إذ ستطفو على السطح، المشكلة القبرصية، مرة أخرى، وستكون الاكتشافات البترولية الجديدة، هى أساس الصراع فى هذه المرة.

أما فيما يخص مصر، وبالرغم من سلامة موقفها القانونى فيما أبرمته من اتفاقات ترسيم الحدود البحرية، إلا ان ذلك التوتر سيؤثر بشكل غير مباشر، على أعمال الحفر والتنقيب الجارية حالياً، وعلى الأعمال المستقبلية المقرر بدؤها هذا العام، من مد خطوط الغاز، فى البحر المتوسط، لتصدير فائض الإنتاج المصرى إلى أوروبا، بحلول عام 2020. وهو ما أتوقع أن يكون السبب وراء تدخل أمريكى وأوروبى وشيك، لتهدئة الموقف فى المنطقة، فى ظل احتياج أوروبا لذلك الغاز المصري، لتقليل الاعتماد على استيراد الغاز الروسي، عبر شمال أوروبا .. وهو ما ستشهده الأيام القليلة القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى